نجيب الدين السمرقندي
121
شرح الأسباب والعلامات ( شرح نفيس الكرماني )
وعدما وغور العينين لإنتقاص الرطوبة المائية لهما باستيلاء الجفاف على الدماغ والنظر الدائم إلى الشئ الواحد لإفراط الفكر وثباته على ما يتفكر فيه ليبس مزاج الدماغ واستغراقه فيه فإن الطبيعة متى اشتغلت بالكلية إلى شئ يتفكر فيه واستغرقت فيه غفله عن جميع الأفعال الإرادية كالهائم الحيران . والنظر إلى الأرض لاستيلاء المواد الأرضية على الدماغ وأنها تطلب الهبوط إلى أسفل ولأن المتفكر في شئ ينظر إلى الأرض بالطبع كأنه يطلب بذلك اجتماع حواسه وقحل الرأس والوجه بكثرة الجفاف مع اعتدال اللحم على الجسد لسلامته عن تلك الآفة وتقدم فكر لأنه حركة من أوسط الدماغ إلى مؤخره ثم منه إلى الأوسط والحركة مسخنة فإذا أفرطت أحرقت الرطوبات التي في الدماغ وجففتها سيما إذا كانت في الأشياء العميقة والمسائل الدقيقة ؛ لأن النفس إذا فكرت فيها ولم تقدر على حلّها وبلوغ عللها ، حزنت واغتمت وعرض من ذلك الاحتراق والجفاف . وقال « روفس » : قد عرض هذا المرض لكثير من الفلاسفة « كإفلاطون » ونظرائه . وقال « الطبري » : قد رأيت جماعة من الأفاضل تفردوا بأنفسهم وتركوا الاشتغال بغير العلوم ولزموا مجانبة الناس فاحترقت أخلاطهم وحدث بهم ماليخوليا منهم « الفارابي » فإنه كان لا يختلط بالناس ويتجنبهم وإذا عاب انسانا عابه بأنه يجالس العامة والسوقة فحدث به ضرب من الماليخوليا كان يخرج إلى السوق ويقعد ويهذى بالمنطقيات ويلعب به الصبيان والسوقة . قال « الطبري » : وبلغني أنه نظر يوما إلى إنسان يبيع شيئا من الحلاوى فقال كيف تبيع هذا ؟ فأجابه الطواف بأنه قال : رطل بكذا فخاصمه وواثبه فاجتمع الناس عليهما وترافعا إلى الوالي فسأله الوالي عما جرى بينهما فقال : أنا أسأله عن الكيفية وهو يجيبني عن الكمية فضحك وأمر بتخلية سبيله وتزائد أمر علته لامتناعه من المعالجة إلى أن هلك . ومنهم « عيسى بن ماسويه » تفرد بنفسه واقتصر على الدراسة والنظر في الكتب وترك الاشتغال بغير ذلك من ملاهي الدنيا فكتب إليه « أبو ماهر » من « بغداد » يشير إليه بترك ما هو عليه فلم يقبل منه فما مرّت إلّا أيام يسيرة حتى حدث به ضرب من الماليخوليا وكان يفزع من غلمانه وجيرانه ويقول فلان همّ البارحة بقتلى وأخذ مالي وتزائدت عليه حتى جفّت أخلاطه واحترقت وهلك .